المعايير الدولية للسلامة والصحة المهنية في مواقع الإنشاءات
تُعدّ السلامة والصحة المهنية من أهم الركائز التي تُبنى عليها استدامة قطاع الإنشاءات، فهي ليست مجرد التزام قانوني، بل ثقافة عمل تُعبّر عن احترام الإنسان وحماية المورد الأثمن في أي مشروع: العامل.
فبيئة العمل الإنشائية، بما تحمله من مخاطر ميكانيكية وكهربائية وكيميائية، تتطلّب التزاماً صارماً بمعايير عالمية وضعتها منظمات دولية مثل: منظمة العمل الدولية (ILO) ومنظمة المعايير الدولية (ISO)، وعلى رأسها المعيار ISO 45001 الذي يُعد الإطار الأشمل لإدارة السلامة والصحة المهنية في بيئات العمل الحديثة.
تبدأ هذه المعايير من تقييم المخاطر، إذ تُلزم الشركات بتحديد كل خطر محتمل قبل وقوعه، ووضع ضوابط وقائية تحدّ من تأثيره. فبدلًا من التعامل مع الحوادث بعد وقوعها، يُوجّه النظام الدولي الجهود نحو الوقاية الاستباقية، من خلال تحليل بيئة العمل، وتصميم الإجراءات التي تقلل احتمالية الخطأ البشري أو التقني.
كما تشدّد المعايير الدولية على أهمية التدريب المستمر للعاملين، فالعامل الواعي بالمخاطر هو خط الدفاع الأول ضد الحوادث. ويشمل التدريب كيفية التعامل مع المعدات، وطرق الإخلاء في حالات الطوارئ، واستخدام أدوات الوقاية الشخصية بشكل صحيح. هذا إلى جانب إلزام المنشآت بتوفير معدات سلامة مطابقة للمواصفات العالمية، مثل الخوذ الواقية، والأحذية الآمنة، وأحزمة الأمان في المرتفعات.
ومن الجوانب البارزة في المعايير الحديثة، مبدأ المسؤولية المشتركة. فالسلامة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي التزام جماعي يشارك فيه صاحب العمل والمشرف والعامل. لذلك، تُشجّع المعايير على بناء ثقافة تنظيمية إيجابية تعزز الحوار حول المخاطر وتكافئ الالتزام بالسلوك الآمن، بدلاً من الاكتفاء بالعقوبات بعد وقوع الخطأ.
ولا يمكن إغفال البُعد الإنساني الذي تؤكد عليه هذه المعايير، فالصحة المهنية لا تقتصر على الحماية من الإصابات الجسدية فقط، بل تشمل أيضًا السلامة النفسية وتقليل الإجهاد الناتج عن ضغط العمل أو طول ساعات الإنشاء. فالعامل المتوازن نفسيًا يكون أكثر وعيًا وأقل عرضة للأخطاء.
ختاماً: تطبيق المعايير الدولية للسلامة والصحة المهنية ليس ترفًا تنظيميًا، بل استثمار حقيقي في جودة المشاريع واستدامتها. فكل حادث يتم تجنّبه يعني وقتًا محفوظًا، وموارد مصانة، وسمعة مؤسسية ترتكز على الثقة والاحتراف.
وفي عالم الإنشاءات الذي لا يحتمل الأخطاء، تظلّ السلامة مقياس الوعي، والعامل الآمن هو الإنجاز الحقيقي قبل اكتمال أي مبنى.